"العيد.. والكورونا": مقال يبين أسباب استمرار فرض الحظر في بعض الدول الإسلامية

 

 

نَغَصَ فيروس كورونا مرة أخرى مراسم العيد للملايين من المسلمين في كل مكان، منعهم من صلاة العيد والاستماع إلى خطبة العيد، ومنعهم من تبادل الزيارات بين الأهل والعوائل ومنعهم من العطاء السنوي؛ ضحية العيد التي ينتظرها الفقراء والمحتاجين في مثل هذا اليوم من كل عام.

وعلى رغم موافقة منظمة الصحة العالمية على إقامة صلاة العيد في المساجد بعد اتخاذ الإجراءات الاحترازية بتوفير المعقمات عند بوابات المساجد والزام المصلين باستخدام سجادة خاصة بهم والحفاظ على المسافة بين المصلين لا تقل عن متر واحد، وتوفير شاشات لعرض تدابير السلامة وتنظيف المساجد وتعقيم الأسطح والجدران على رغم ذلك فقد دعت بعض الدول الإسلامية إلى إقامة الصلاة في داخل البيوت وليس في المساجد والبعض الآخر دعا إلى اقامتها في الأماكن المفتوحة، وذهب البعض إلى منع صلاة العيد وإلى حظر شامل للتجوال ومنع الزيارات المتبادلة ومحو كل معالم العيد.

هذه المواقف المتناقضة إزاء العيد من قبل بعض الدول الإسلامية أخذ طابعاً سياسياً أكثر منه طابعاً صحياً بالأخص الدول التي أعلنت الحظر الشامل في العيد بعد اعلان منظمة الصحة العالمية عن فكرة التعايش مع المرض، وبعد أن أعلنت وزارة الصحة البريطانية ان مرض كوفيد19 ليس اكثر من مرض فيروسي مثله مثل أي مرض آخر.

وأصبح جلياً ان هناك دولاً إسلامية تتعامل مع المرض تعاملاً سياسياً وليس صحياً فهي لا تريد خطب العيد والجمعة لأنها تفضح ممارساتها القمعية وتنتقد سياساتها الخاطئة في إدارة دفة الدولة.

وهي أيضاً لا تريد أي تجمع بشري في المسجد والشارع لأنه انذارٌ للاحتجاجات الشعبية في بلادهم وهي أيضاً تتجاهل حقائق مهمة لمصلحة المرض وليس لمصلحة الصحة.

أول هذه الحقائق ان خطب الجمعة والعيد تساعد على نشر الوعي الصحي بحث الناس على الوقاية من المرض وتطبيق المعايير الصحية أثناء التجمعات والزيارات، كما ولهذه الخطب دور كبير في التخفيف من غلواء المرض بنشر ثقافة الصبر والتسامح والتعاون والدعوة إلى إقامة مشاريع شعبية لرعاية الفقراء والمتضررين من هذه الجائحة بفقدهم لمصادر رزقهم على شرط أن يتم كل ذلك في أجواء صحية متمثلة بتطبيق معايير الصحة العالمية.

الحقيقة الأخرى؛ زيارات العيد للأهل والأقرباء والأصدقاء عندما تُقام ضمن معايير السلامة بلبس الكمامة والتباعد الاجتماعي تضفي حالة من التفاؤل والمحبة والتعاطف على المجتمع الذي يُسيطر عليه شبح الموت من فيروس كورونا ويقلل من شدة الإصابة بالمرض.

الحقيقة الثالثة؛ بسبب فيروس كورونا تم تصفية الحياة الثقافية من ندوات ومؤتمرات ومعارض ومسابقات علمية التي ترفع من المستوى الثقافي لدى الشعوب وهي بدورها تعطي الشعوب ثقافة الحياة وتمنح ضحايا المرض بلسم يداوون به آلامهم.

أصبحت شعوبنا هذه الايام بلا ثقافة فانتشرت الأفكار المظلمة وانتشرت ثقافة الموت بدلا عن ثقافة الحياة.

الحقيقة الرابعة؛ فقدنا بسبب الكورونا الرياضة والمسابقات الرياضية التي تمنح الشعوب الحيوية والقدرة على مواجهة المخاطر الصحية والقدرة على تخطي الصعاب وملء الفراغات سواء للاعب والمتفرج.

وفوق كل ذلك فقدت الشعوب بالأخص الإسلامية أسباب العيش ومصادر الرزق فانتشر وباء الجريمة بسبب الفقر وأخذ يتسابق مع فيروس كورونا من حيث الآثار والتداعيات:

ففي كل يوم نسمع بعشرات الحوادث من قبيل:

الآباء الذين قتلوا أبنائهم بسبب الفقر

موجات الانتحار التي شهدتها بعض المجتمعات بفقدانهم مصادر رزقهم

الخلافات الأسرية التي طحنت المجتمعات وقذفت الكراهية في نفوس أبناء العائلة الواحدة.

هذه التداعيات كان لابد للحكومات أن تنظر إليها عندما تضع استراتيجيتها إزاء هذه الجائحة التي مر على انتشارها أكثر من نصف سنة، إذ ليس المطلوب أن تترك الحبل على عنانه ولا تتخذ الإجراءات الكفيلة للحد من المرض، كان عليها أن توازن بين الإجراءات الصحية وبين حاجة المجتمع إلى المسجد والخطبة الدينية والعمل الاقتصادي والثقافي والرياضي كما فعلت الدول المتقدمة كالمانيا وإيطاليا واسبانيا التي شهدت الجائحة بأقصى قوتها فطبقت الاحترازات الصحية بأمانة وفسحت لشعوبها أن تمارس حقها في الحياة بسلام وأمان حتى أن بعض هذه الدول فتحت مدارسها لأبنائها.

إن مشكلتنا في العالم الإسلامي ان بعض حكوماتها تفرض الحظر على شعوبها أماهي فتأخذ حريتها وتمارس أنشطتها الاجتماعية بكل حرية، وقد شاهدنا صوراً لوزراء وسياسيين في بعض الدول وهم يستقبلون المهنئين ويقيمون المآدب بينما ترزح شعوبهم تحت الحظر الشامل لا يحق لها الخروج حتى من باب الدار.

هذه المشاهدات وغيرها تؤكد للشعوب الإسلامية ان المشكلة عند هؤلاء ليست في فيروس كورونا بل هناك أمور أخرى، ويظهر ذلك من التناقضات في التصريحات والدعوات وكل واحد من هؤلاء الساسة ينظر إلى المرض من منظاره الخاص.

لذا ندعو وبالحاح اخراج السياسة من دائرة الكورونا وجعل قيادة مكافحة هذا المرض بأيدي الأطباء الذين يدركون قيمة التبادل الاجتماعي والزيارات ويوازنون بينها وبين التباعد الاجتماعي ويعرفون قيمة الموعظة الدينية وأثرها في النفوس الخائفة واليائسة ويوازنون بينها وبين الإجراءات الوقائية ويعرفون قيمة الثقافة و الفن والرياضة والممارسات اليومية الضرورية للإنسان.

نحن في عالمنا الإسلامي بحاجة إلى حكماء يمنحون شعوبهم ثقافة الحياة وليس ثقافة الخوف والهلع يسدون بوجههم أبواب الحياة ويفتحون لهم المقابر.

ا.د. محسن القزويني

 

أحدث الأخبار

شبكات التواصل الاجتماعي

إشترك في نشراتنا

الإسم (*)

Invalid Input
البريد الإلكتروني (*)

Invalid Input