مترجم: الوهابية ثم داعش: كيف كانت السعودية نبعًا للإرهاب العالمي

 

 

تلك المسماة بالدولة الإسلامية لا تهدم الدول القومية التي أنشأها الأوروبيون منذ قرابة القرن فحسب؛ بل يبدو أنها بوحشيتها الفاجرة تلخص فكرة العنف الكامنة -حسب اعتقاد الكثيرين- في الأديان عامة وفي الإسلام خاصة.

أيضًا هي تعتقد ببطلان أيديولوجية المحافظين الجدد الملهِمة لحرب العراق، وذلك لاعتقادها بأن الدولة القومية الليبرالية هي نتيجة حتمية للحداثة، وأنه بمجرد إطاحة الحكم الديكتاتوري لصدام حسين، تستطيع العراق أن تصبح دولة ديمقراطية على النمط الغربي.

إلا أن داعش التي وُلدت 16 نوفمبر (تشرين الثاني) بث النشطاء شريط فيديو يظهر قطعهم رأس خامس الرهائن الغربيين، عامل الإغاثة الأمريكي بيتر كيسيج، فضلًا عن عدد من الأسرى السوريين. لا ريب أن البعض سيفسر تلك الهمجية، بالعجز المتأصل والمزمن عند الإسلام عن تقبل القيم الحديثة.

بالرغم من كونها حركة إسلامية إلا أن داعش ليست حركة نموذجية ولا هي طاعنة في التاريخ، بل تمتد جذورها إلى الوهابية التي هي صورة من صور الإسلام منشؤها السعودية، ولم تظهر إلا في القرن الثامن عشر. البرلمان الأوروبي في يوليو (تموز) 2013، اعتبر الوهابية نبعًا رئيسيًا للإرهاب العالمي. بینما أدان المفتي العام للسعودية داعش بأشد العبارات مؤكدًا أن التطرف والراديكالية والإرهاب الداعشي لا يمت للإسلام بصلة.

ثمة نظرة أخرى داخل الأسرة الحاكمة في السعودية أكثر إيجابية من سابقتها، إذ تثني على معارضة داعش الصارمة للمذهب الشيعي، كما تثني على تقواها وتمسكها السلفي بشعائر الإسلام الأولى.

يفيد هكذا تناقض بتنبيهنا على استحالة إسقاط التعميمات الدقيقة على أي منهج ديني، فمثلًا طورت الوهابية خلال فترة زمنية قصيرة، على أقل تقدير نهجين بارزين، لكل منهما نظرة مختلفة تمامًا عن العنف.

خلال القرن الثامن عشر بدأت حركات الصحوة بالظهور في أجزاء عدة من العالم الإسلامي، حيث بدأت القوى الإمبريالية الإسلامية بفقدان سيطرتها على الأراضي الطرفية.

تزامنًا مع هذا، كنا في الغرب قد شرعنا في فصل الكنيسة عن الدولة، إلا أن هذا المفهوم العلماني كان بدعةً راديكالية تمامًا كما الاقتصاد التجاري الذي ظهر في أوروبا في الوقت ذاته.

بخلاف الثقافات الأخرى التي تعد الدين نشاطًا فرديًا بحتًا ومنفصلًا تمامًا عن الأطماع الدنيوية كالسياسة، يمثل الانقسام السياسي للمسلمين، مشكلةً دينية أيضًا بالنسبة لهم. كذلك يُعد الرفاه السياسي للأمة، شأنًا مقدسًا حيث يكلفهم القرآن بمهمة مقدسة وهي الإعمار الاقتصادي الذي يوفر للجميع العدل والمساواة والكرامة الإنسانية. على المسلمين إذًا حسب تعاليمهم الدينية، بذل جهدهم لمحاربة الفقر وفساد الدولة.

في القرن الثامن عشر، كان المسلمون الإصلاحيون واعين تمامًا أنهم لن يستردوا نفوذهم وهيبتهم الضائعيْن، إلا بالعودة لأصول عقيدتهم، حينها سيكون الله هو الكفيل برد هيمنتهم السياسية وليست الأسباب المادية.

حينها بدأت في البلاد الإسلامية عدة محاولات لإحياء علوم الدين كان أبرزها الصحوة الوهابية لمحمد بن عبد الوهاب (1703- 1791) وهو أحد علماء منطقة نجد وسط الجزيرة العربية الذي تلهم تعاليمه المسلمين الإصلاحيين والمتطرفين إلى يومنا هذا. من أشد الأمور التي عارضها محمد بن عبد الوهاب هي التبرك بالقبور وبناء الأضرحة عليها، لاعتبارها أمورًا منافية لتوحيد الله، كما دعا الناس للعودة إلى تدارس القرآن والسنة واتباع هدي الصحابة. أيضًا كان يرى الصوفية والشيعة مبتدعة وكان يحث الناس على تفسير النصوص بأنفسهم وعدم التسليم بتفاسير علماء الأمة.

كان من الطبيعي أن يثير هذا غضبَ رجال الدين والحكام المحليين الذين رأوا أن تغيرات كهذه قد تؤدي إلى اضطرابات اجتماعية.

أخيرًا وجد محمد بن عبد الوهاب راعيًا له ومتبنیًا لأفكاره هو الأمير النجدي محمد بن سعود. بيد أن الخلافات سرعان ما نشأت بينهما حين رفض الأول التصديق على حملات سعود العسكرية التي كانت تهدف للغنيمة ونهب الأراضي، مؤكدًا على أن الجهاد غير جائز لكسب الأرباح الشخصية بل لدرء الهجوم العسكري عن الأمة. أيضًا منع قتل أسرى الحروب والإفساد المتعمد للممتلكات، وذبح المدنيين بمن فيهم النساء والأطفال. كما كان يتجنب تسمية قتلى المعارك بالشهداء معتقدًا أن الرغبة في تعظيم الذات تتعارض والهدف الأسمى للجهاد.

كانت للوهابية حينها صورتان متناقضتان، فبينما كان بن سعود متحمسًا لنشر الإسلام الوهابي بالسيف لتعزيز وضعه السياسي، أصر ابن عبد الوهاب على أن التعليم والدراسة والمناظرات هي الوسائل المشروعة لنشر العقيدة السليمة الوحيدة بين الناس.

بينما تدعم النصوص الفكر الوهابي بأن فرقة واحدة هي الناجية من بين الفرق الكثيرة الضالة، إلا أن الآيات القرآنية لا تدعم النهج الذي اتبعوه حيث جاء فيها: «لَا إِكراهَ فِي الدِين» (البقرة 256) كما تدعو للإيمان بكافة الرسل: «قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» (آل عمران 84)، وأن حكمة الله تقتضي اختلاف الأديان: «لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ» (المائدة: 48)، كان على الوهابيين إذًا الاحتراس من تكفير كل من خالفهم اتباعًا لهدي المسلمين الأوائل.

على النقيض تمامًا، كانت الصوفية هي الأكثر مرونة في تقبل العقائد المختلفة، لذا مثلت الصورة الأكثر شعبية للإسلام ولعبت دورًا هامًا في حياة المسلمين الاجتماعية والدينية. من أقوال كبير المتصوفين، محيي الدين بن عربي: «الطريق إلى الحقيقة تتعدد بتعدد السالكين»، «لا تحتقر أحدًا أو شيئا فالله حين خلقه لم يحتقره»، ينهى بن عربي المرءَ عن تمجيد عقيدته حدَّ احتقاره لباقي العقائد، لأن الله الذي يحيط علمًا بكل شيء، لا يمكن حصره في معتقد واحد. ليس غريبًا إذًا أن يتجرد الصوفي من كونه يهوديًا أو نصرانيًا أو حتى مسلمًا لأن الله أعظم من هذه التصنيفات البشرية.

على الرغم من رفضه لمذاهب الإسلام المتعددة، إلا أن محمد بن عبد الوهاب أمسك عن تكفير المخالفين معتقدًا أن الله وحده أعلم بكمائن النفوس، ولكن بعد وفاته، لم يدم هذا السلوك طويلًا بين الوهابيين ما أدى إلى تزايد الشكوك حول المتصوفة في العالم الإسلامي.

أيضًا بعد وفاته، زادت الوهابية عنفًا حتى صارت أداة الإرهاب المستخدمة من قبل الدولة. بسعيه نحو إقامة مملكة مستقلة، استغل عبد العزيز بن محمد نجل محمد بن سعود وخليفته، استغل أداة التكفير لتبرير المذابح الجماعية ضد معارضيه. في عام 1801 اجتاح جيشه المدينة الشيعية المقدسة كربلاء، ثم قام بنهب ضريح الإمام حسين، وذبح آلاف الشيعة بمن فيهم النساء والأطفال. ثم في عام 1803، وفي أجواء من الهلع والرعب، خضعت مكة المكرمة لحكم الملك السعودي.

مع حلول عام 1815، بعث العثمانيون محمد علي باشا، حاكم مصر آنذاك، لسحق القوات الوهابية وتدمير عاصمتها، لكن سرعان ما استعاد الوهابيون نفوذهم السياسي خلال الحرب العالمية الأولى حين بدأ الملك السعودي الذي يسمى عبد العزيز أيضا بإقامة مملكة كبيرة لنفسه داخل منطقة الشرق الأوسط بمساعدة جيشه البدوي المخلص المعروف باسم «الإخوان».

بغرض تفريق القبائل وإبعاهم عن الحياة البدوية التي اعتقدوا بتعارضها مع تعاليم الإسلام، استقر شيوخ الوهابية مع البدو في الواحات حيث تعلموا الزراعة والحرف اليدوية وتم تلقينهم الإسلام الوهابي.

ولكن، مع بدء الغزوات التي كانت عادة ما تسفر عن نهب المواشي، ازداد المحاربون البدو عنفًا وتطرفًا، وباتوا يلثمون وجوههم عند مواجهة الأوروبيين أو حتى العرب غير السعوديين، ويستخدمون الرماح والسيوف لازدرائهم للأسلحة التي لم يستخدمها رسول الله. قديما، كان البدو يترفعون عن محاربة غير المقاتلين، إلا أن «إخوان» الوهابية لم يبالوا بذبح «المرتدين» القرويين العزل بالآلاف بمن فيهم النساء والأطفال، ولا بقطع رؤوس جميع الأسرى من الرجال. مشاهد كتلك تظهر لنا بجلاء، إلى أين تمتد جذور داعش.

مع حلول عام 1915 خطط الملك عبد العزيز للاستيلاء على الحجاز (مكة المكرمة والمدينة المنورة) والخليج الفارسي شرقي منطقة نجد ثم المنطقة الشمالية (سوريا والأردن حاليًا)، إلا أنه تراجع عن بعض طموحاته عام 1920 بهدف الحصول على مكانة دبلوماسية كدولة قومية، تجاه بريطانيا والولايات المتحدة. مع ذلك، واصل الإخوان شن غارات على المحميات البريطانية في العراق عبر الأردن والكويت، مؤكدين على أنه لا شيء بإمكانه إعاقة الجهاد. ثم هاجموا الملك عبد العزيز نفسه لسماحه باستخدام أشياء مثل الهواتف والسيارات والتلغراف والموسيقى والتدخين أو أي وسيلة لم تستخدم في زمن رسول الله لاعتبارها وسائل مبتدَعة. في نهاية المطاف تمكن الملك عبد العزيز عام 1930 من التصدي لتمردهم.

بعد هزيمة الإخوان، تخلت الوهابية الرسمية للمملكة السعودية عن الجهاد المسلح وباتت مجرد حركة دينية محافظة على غرار الحركة الأصلية التي أنشأها محمد بن عبد الوهاب، إلا أنها أبقت على منهج التكفير، السلوك الذي تأصل لدى الوهابيين. من الآن فصاعدا سيكون ثمة توتر دائم بين المؤسسة الحاكمة في السعودية والوهابيين الأكثر راديكالية. وسيكون الإخوان أكثر طموحًا للتوسع الإقليمي بعد أن صارت المملكة في عام 1970 منطقة مركزية بالنسبة للسياسة الخارجية الغربية. من جهتها رحبت واشنطن بالمعارضة السعودية للناصرية وللنفوذ السوفييتي. بعد الثورة الإيرانية منحت واشنطن دعما ضمنيا للمشروع السعودي الذي يتضمن مواجهة الراديكالية الشيعية من قبل الوهابية في العالم الإسلامي بأسره.

منح ارتفاع أسعار النفط الناتج من حصار عام 1973 -حين قطع منتجو البترول العرب الإمدادات عن الولايات المتحدة احتجاجًا على دعمها العسكري لإسرائيل- منح المملكة السعودية دولاراتها اللازمة لتصدير أنموذجها الفقهي للإسلام. تم إذًا استبدال الحرب الثقافية بالجهاد المسلح كوسيلة لنشر العقيدة. حينها بدأت رابطة العالم الإسلامي والتي مقرها السعودية بإنشاء مقرات لها في كافة الدول الإسلامية، ثم قامت وزارة الشئون الإسلامية السعودية بطبع وتوزيع التفاسير الوهابية للقرآن والنصوص العقائدية الوهابية وكتابات المفكرين الجدد الذين تطابقت أفكارهم مع المذهب الوهابي كالسيد أبي الأعلى المودودي والسيد قطب، على كافة المجتمعات الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وإندونسيا والولايات المتحدة وأوروبا. قامت أيضًا في تلك الأماكن بالتمويل لبناء مساجد تنشر الدعوة الوهابية ومدارس توفر التعليم المجاني للفقراء مستخدمين حتمًا المناهج الوهابية.

في تلك الأثناء كان شباب الدول الإسلامية الفقيرة مثل مصر وباكستان الذين تحسنت أوضاعهم نسبيا مقابل فرص عمل في الدول الخليجية، يعودون إلى أوطانهم محملين بالعقيدة الوهابية وممتنين لها، ليشرعوا في بناء مساجد على غرار تلك الوهابية ومجمعات تجارية تمنع الاختلاط. ثمة مطالبة ضمنية من قبل السعودية بتوحيد العقيدة الوهابية مقابل سخائها المادي. ليس غريبًا إذًا ما آل إليه الوضع من تقويض التعددية العقائدية التي كان يتمتع بها الإسلام في جميع أنحاء العالم.

من ثم، فقد نشأ جيل كامل من المسلمين محملًا بنظرة عدائية للمذاهب الأخرى وبنظرة متعصبة لمذهبه الخاص. قديمًا وضع علماء التفسير الذين رفضهم الوهابيون التأويلات النهائية للنصوص بدراية، أما الآن قد تجد غير المؤهلين من الشيوخ كأسامة بن لادن يضعون تفسيرات جديدة للقرآن.

بينما كان الإسلاميون في مصر مثلًا يواجهون الظلم والفساد المتغلغلين في بلادهم، كان الإسلاميون في السعودية أكثر تركيزًا على الهوان والاستبداد اللذين يتعرض لهما المسلمون خارج البلاد. لا يقتصر الأمر على ما كان يبثه التلفاز السعودي عن معاناة الفلسطينيين واللبنانيين فحسب، بل كانت الحكومة السعودية تشجع الشباب على الانضمام للمتطوعين للجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفييتي. استجابة المقاتلين لهكذا نداء، قد تلقي الضوء على دوافع المنضمين للجهاد في سوريا والعراق اليوم.

هناك دراسة أجريت بخصوص مَنْ تطوع من السعوديين للجهاد في أفغانستان، ثم في البوسنة والشيشان ومن تدرب منهم داخل معسكرات تنظيم القاعدة، تشير إلى أن الدافع لمعظمهم لم يكن كراهية الغرب بل الرغبة في مساعدة إخوانهم من المسلمين، تماما كما الأوروبيين الذين هبوا من جميع أنحاء أوروبا لمحاربة الفاشيين في إسبانيا عام 1938، وكما اليهود المشتتين حول العالم الذين سارعوا لنجدة إسرائيل في اليوم السادس من حرب 1967.

ولأن مسألة رفاه الأمة هي مسألة دينية وليس فقط سياسية عند الإسلام، فإن هوان المسلمين يصيب هويتهم الإسلامية في مقتل؛ صورة كتلك التي استخدمها أسامة بن لادن لنشر دعوته، إذ تظهر فيديوهات الانتحاريين السعوديين الذين ساهموا في أحداث 11 سبتمبر (أيلول) المروعة، تأثرهم بآلام الأمة الإسلامية ككل أكثر كثيرا من تأثرهم بالوهابية.

كما الإخوان تمثل داعش ثورة ضد الوهابية الرسمية للمملكة السعودية بسياساتها الجديدة، فاستخدام السيوف وتلثيم الوجوه وقطع الرؤوس كلها مشاهد تشهد على ذلك. الفارق بينهما أن مقاتلي داعش جميعهم من الأشداء البواسل، ويتخللهم عدد لا بأس به من البعثيين والجنود السابقين في جيش صدام حسين المنحل ما قد يفسر أداء داعش المتميز ضد القوات العسكرية المحترفة.

من الخطأ أن نعد داعش حركة رجعية، بل هي كما يقول الفيلسوف البريطاني جون جراي، حركة عصرية تتميز بالكفاءة والتمويل الذاتي وتقدر ممتلكاتها ببليوني دولار. عمليات النهب وسرقة سبائك الذهب من البنوك والاختطاف والابتزاز وسحب البترول من الأراضي المسيطَر عليها جعلت منها الحركة الجهادية الأكثر ثراءً في العالم. أما عنفها فهو غير طائش أو عشوائي بالمرة، إذ يتم إخراج فيديوهات الإعدام بدقة بالغة بهدف إثارة الرعب والفوضى وردع المخالفين.

ظاهرة القتل الجماعي هي ظاهرة حديثة جدا. أثناء الثورة الفرنسية التي أدت إلى ظهور أولى الدول العلمانية في أوروبا، تم قطع رؤوس 17 ألف رجل وامرأة وطفل هكذا جهارًا من قبل اليعاقبة. وخلال الحرب العالمية الأولى ذبح الشبان الأتراك أكثر من مليون أمريكي منهم نساء وأطفال وكهول لخلق أمة تركية نقية! داعش أيضا تستخدم العنف لتحقق هدفها الوحيد والمحدد والمعروف الذي يبدو تحقيقه مستحيلا بدونه. إنه الجانب القاتم للحداثة!

مع حلول عام 1922 سار مصطفى كمال أتاتورك على خطى الشبان الأتراك في التطهير العنصري وذلك بالطرد القسري لكل مسيحي يتحدث اليونانية من الأراضي التركية، ثم في عام 1925 قام بإبطال الخلافة التي عزمت داعش على استعادتها. لم تنجح الخلافة يوما كنظام سياسي لكن مع هذا يتفجع المسلمون السنة على فقدان ها لاعتبارها رمزًا لوحدة الأمة الإسلامية وصلتها بالرسول. إلا أن مشروع الخلافة الداعشي لا يلقى ترحيبا بين المسلمين، ذلك أن معالم الدولة القومية باتت أكثر جلاءً في عالمنا اليوم. وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط حيث رسم المحتلون حدودًا مستبدة لدرجة يستحيل معها خلق روح قومية صادقة.

إذًا فالدولة القومية الليبرالية ليست نتيجة حتمية للحداثة، كما أن محاولة خلق الديمقراطية في العراق عن طريق الاستعمار والاستعباد لن تلد سوى جنين مشوه مثل داعش.

ربما قد تجاوزت داعش حدودها، إلا أن أحدا لن يحتمل سياساتها ولن يتقبلها السنة والشيعة على حد سواء. ما يثير الإعجاب هو تمكن السعودية من التصدي لهجمات داعش داخل المملكة ما يجعلها التحدي الأكبر في وجه داعش. أما نحن في الغرب فعلينا أن نعي بدقة موقف الإسلام من الصراع وأن ندرك أيضًا أن داعش ليست عودة إلى الرجعية والبدائية؛ بل هي بحق نتيجة الحداثة.

 

أحدث الأخبار

شبكات التواصل الاجتماعي

إشترك في نشراتنا

الإسم (*)

Invalid Input
البريد الإلكتروني (*)

Invalid Input